أقنعة الحرباء لا تستر عورات التاريخ
بقلم نضال انور المجالي
في زمنٍ تُختبر فيه المبادئ وتتمايز فيه الصفوف، تطلّ علينا فئةٌ أتقنت فنّ التلوّن، يغيرون جلدتهم مع كل شروق شمسٍ وجديد مصلحة، كالحرباء التي لا تثبت على لون لأنها ببساطة بلا هويّة ثابتة، حيث يتراقص هؤلاء على حبال الانتهازية ويعتلون المنابر اليوم ليدّعوا الوطنية الزائفة، وينصّبوا أنفسهم حراسًا للهيكل وهم أول من يبيع القضايا في سوق النخاسة عند أول مفترق طرق.
وإلى هؤلاء المتلوّنين نقولها بملء الفم وبأعلى صوت إننا نعلم تاريخكم المخزي، وإن صفحات التاريخ لا تُطوى بالنسيان، وذاكرة الأوطان والشعوب الحيّة لا تصاب بالزهايمر، فنحن نعرف جيدًا متى تراجعتم وأين تخاذلتم وكيف كانت مصالحكم الشخصية هي البوصلة والدين والديدن، وما محاولاتكم البائسة لارتداء ثوب الطهر والولاء، وعزفكم المنفرد على أوتار الغيرة الوطنية، إلا مسرحية هزلية لم تعد تنطلي على أحد، فالوطنية ليست شعارًا يُرفع للمكاسب، ولا عباءةً نرتديها في مواسم المغانم ونخلعها في مواسم المغارم.
إن أخطر ما يواجه المؤسسات والأوطان ليس العدوّ الواضح، بل ذلك المتسلل الذي يقتات على الأزمات ويغيّر ولاءاته بحسب اتجاه الريح والمنافع، وظن هؤلاء أن الصمت حيال ماضيهم غفلة وأن الترفع عن صغائرهم عجز، وغاب عن عقولهم القاصرة أن حبال الكذب قصيرة، وأن عوراتهم التاريخية مكشوفة أمام شمس الحقيقة والوعي الفطن، فالوطنية الحقيقية هي إرثٌ من الشرف، ومواقف تُعمد بالعمل المخلص، والالتزام الثابت، والتضحية بلا ثمن، وهي ثباتٌ في المبدأ، وولاءٌ لا يتزحزح للقيادة والتراب، وجبهةٌ سمراء لفحتها شمس الميادين، لا وجوهٌ ناعمة تلونت بمساحيق النفاق والمداهنة.
وليعلم كل واهمٍ وكل متلوّنٍ يظن أنه باحتكاره لخطاب الوطنية سينال صكّ غفرانٍ عما سلف، إن الوطن أكبر منكم جميعًا، وأكبر من مآربكم الضيقة وأجنداتكم الشخصية، فالوطن لا يقبل القسمة على تجّار المواقف ومبدلي الجلود، والمؤسسات الراسخة والقيادة الحكيمة تلفظ النفاق وتلفظ كل من يبيع ويشتري بالولاء، وإن مرحلة بناء الغد وتوطيد أركان الحوكمة والتميز والشفافية لا مكان فيها للأيدي المرتجفة أو الوجوه المتعددة، وسيبقى المخلصون الثابتون على العهد، الأوفياء لتراب هذا الوطن وقيادته الهاشمية الفذة، هم الصخرة التي تتحطم عليها كل أقنعة الزيف، أما الحرباء فستبقى تدور في حلقة تلوّنها حتى تسقط في شر أعمالها، ويبقى وجه الوطن ناصعًا، طاهرًا، لا تشوبه شائبة.حفظ الله الاردن والهاشمين


